عناصر عقد الشغل في التشريع الاجتماعي المغربي
البحث التمهيدي: مبادئ عامة
أولًا: تعريف القانون الاجتماعي وتسميته
القانون الاجتماعي قانون حديث بمقارنة بفروع القانون التقليدية الأخرى، ويعد اليوم في مقدمتها من حيث الأهمية التي يحظى بها، بالإضافة إلى وفرة قواعده واتساع نطاقه. غير أنه يجب أن لا يحمل ظاهر اصطلاحه على القول بأنه يحكم جميع الأنشطة الإنسانية التي تمارس داخل المجتمع، وإلا انتهى الأمر إلى طغيانه على بعض فروع القانون الأخرى، وخاصة تلك التي تحكم من جهتها جوانب أخرى من ذلك النشاط. والحقيقة أن تعدد فروع القانون التي تحكم مختلف مظاهر العمل الإنساني مسألة جد طبيعية، مرجعها في الأصل اختلاف طبيعة العمل نفسه ومركز من يباشره ومركز من يباشر لحسابه على حد سواء. لذلك لا بد من تحديد مصطلح قانون اجتماعي بالنظر إلى هذه الاعتبارات كلها.
أنظر: فسخ عقد العمل
العمل المستقل والتابع:
والتفرقة الأساسية بين العمل الحر أو المستقل والعمل التابع ترجع بالأساس إلى الاختلاف البين والكبير بين من يقوم بهذا العمل أو ذاك. فثمة أشخاص كثيرون، كالأطباء والمحامين والمهندسين والأساتذة وعمال الصناعة التقليدية أو الحديثة والمزارعين والبحارة، يقومون بأعمال جد مختلفة من بعضها ويتقاضون عنها أجورًا، ومع ذلك تختلف المراكز القانونية للبعض منهم عن المراكز القانونية للبعض الآخر.
أنظر: الوسيط في مدونة الشغل عبد اللطيف خالفي الجزء الأول
فالطبيب، على سبيل المثال، يستقل بتقدير ما يراه من أوجه العلاج وتنفيذه، دون أن يخضع في ذلك لسلطة المريض وتوجيهاته. والمحامي يتولى مباشرة إجراءات القضايا أمام المحاكم معتمدًا في ذلك على جهده الشخصي والعلمي، دون أن يخضع في ذلك لتعليمات موكله. والموثق والعدل يحرران الوثائق بالكيفية التي يفرضها القانون مقابل التسعيرة المحددة في قواعده، دون خضوعهما في عملهما لسلطة وتوجيهات من تحرر تلك الوثائق لصالحه.
وعدم خضوع الطبيب أو المحامي أو العدل أو الموثق لسلطة وتوجيه وإشراف من يمارس العمل لحسابه يجعله مستقلًا، فيكون العمل عملًا حرًا لا يخضع مطلقًا لأحكام القانون الاجتماعي.
وعلى خلاف ذلك، فالعامل في المصنع أو في المحل التجاري أو في الضيعة، أو في مركب السيد، أو في مكتب المحامي أو في عيادة الطبيب، إنما يخضع كقاعدة في القيام بعمله لسلطة صاحب العمل وتوجيهه وإشرافه، مما يجعله في مركز تابع يختلف، كما هو واضح، عن مركز الطبيب والمحامي والعدل والموثق في الأمثلة السالفة، ويبرر بالتالي إخضاع علاقته بصاحب عمله لقواعد جد متميزة هي قواعد القانون الاجتماعي.
ومن البديهي أن الممارسين لمهن حرة، كالأطباء والمحامين، قد يخضعون للقانون الاجتماعي في حالة توافر علاقة التبعية بينهم وبين من يمارس العمل لصالحهم.
فتبعية العامل لصاحب العمل هي المبرر لتطبيق أحكام القانون الاجتماعي، وانتفاء تلك التبعية ينفي ذلك التطبيق.
ورابطة الخضوع التي تنشأ بين العامل وصاحب العمل في إطار علاقة العمل هي ما يصطلح عليه عادة بالتبعية القانونية.
ومن المسلم به فقهًا وقضاءً أن العمل التابع الذي يخضع لأحكام القانون الاجتماعي هو العمل الذي يقدمه صاحبه مقابل أجر، دون العمل الذي يتبرع به صاحبه، هو الذي يعد هبة أو صدقة.
وعلى الرغم من ذلك، فتجب مراعاة أن القانون الاجتماعي إنما يحكم أصلًا الروابط المتصلة بالعمل التابع والمأجور التي تنشأ بين أشخاص خصوصيين فحسب، بحيث تخرج من نطاقه، كأصل، روابط العمل التابع والمأجور المؤدى لصالح الدولة أو إحدى المؤسسات التابعة لها في إطار قانون الوظيفة العمومية بوجه خاص، وأحكام قانون العمل على وجه العموم.
أنظر: الوسيط في مدونة الشغل عبد اللطيف خالفي الجزء الثاني
1- تعريف القانون الاجتماعي:
انطلاقا من التحديد السلفي ذكره، نستطيع القول مبدئيا بأن القانون الاجتماعي هو مجموعة القواعد القانونية التي تحكم الروابط العقدية الخاصة والمتعلقة بالعمل الذي يقوم به أشخاص مقابل أجر لحساب أشخاص آخرين وتحت توجيههم ورقابتهم.
ومما يجب التأكيد عليه أن الروابط القانونية المشار إليها في التعريف أعلاه لا تقتصر فحسب على الروابط الفردية التي تنتج عن عقد العمل، وإنما تنصرف كذلك إلى الروابط الجماعية، سواء فيما بين العمال أنفسهم كما هو الحال بالنسبة للنشاط النقابي، أو فيما بينهم وما بين أرباب عملهم كما هو الشأن بالنسبة للاتفاقيات الجماعية.
وغالبا ما يضيف الفقه إلى التعريف أعلاه القواعد القانونية المتعلقة بنظام الضمان الاجتماعي، على اعتبار أن تلك القواعد جزء لا يتجزأ من القانون الاجتماعي، بل وأن تلك الإضافة هي في حقيقة الأمر من بين أهم الأسباب التي تبرر تسمية هذا الفرع من فروع القانون، على ما سوف نرى بعد حين.
2- تسمية القانون الاجتماعي:
لما كان القانون الاجتماعي حديث عهد بالوجود، ومرتبطا إلى حد كبير بتطور الحياة الاجتماعية والاقتصادية، فقد انعكس هذا التطور على أحكامه كما انعكس على تسميته.
أنظر: حماية الأجير في مدونة الشغل عند إنهاء عقد الشغل
وأن أول اصطلاح أطلقته الدراسات الأكاديمية في فرنسا على هذا الفرع من فروع القانون هو اصطلاح "التشريع الصناعي".
والظاهر أن مرد ذلك هو أن نقطة البدء في الاهتمام بقانون مستقل يحكم علاقات العمل كان نتيجة نشأة الصناعة الآلية ونهضتها وتكتل الطبقة العاملة في المصانع. إلا أنه اصطلاح غير دقيق، فهو من ناحية يصرف الذهن نحو القواعد التي تحكم شؤون الصناعة عموما، وهو من ناحية أخرى لا يحيط بكل مضمون هذا الفرع من فروع القانون، إذ يقتصر على حكم الروابط التي تنشأ في المجال الصناعي وحده دون المجالات الأخرى كالمجال التجاري والزراعي والحر، ومجالات أخرى يصعب عملية تصنيفها هنا أو هناك.
ومن بين الاصطلاحات التي أطلقت في وقت ما على هذا الفرع من فروع القانون اصطلاح "القانون العمالي"، وإذا كان هذا المصطلح يفضل سابقه لانصرافه رأسا إلى الطبقة العاملة ذاتها، فهو يظل بدوره قاصرا وغير دقيق، إذ قد يفيد أنه يقتصر على العمال وحدهم، بينما هو في حقيقة أمره يتناول كل ما يتصل بروابط العمل التابع والمأجور، وبالخصوص علاقة العمال بأرباب العمل.
ومن الاصطلاحات التي عمرت طويلا وما زالت، مصطلح "قانون العمل" أو "الشغل"، وهو المستعمل حاليا في أغلبية الدول العربية، وهو الذي تتبناه منظمة العمل العربية، وقد أصبح بدوره ونتيجة للتطور الهائل الذي يعرفه هذا الفرع من فروع القانون مصطلحا قاصرا، ذلك أن هذا القانون قد أصبح يهتم أكثر فأكثر، وإلى جانب اهتمامه بالنزاعات ذات الطابع العمالي، بالجوانب الاجتماعية للعامل ولأسرته، ولعل أحسن مثال على ذلك القواعد المتعلقة بالضمان الاجتماعي وبنظام التقاعد، والقواعد المتعلقة بالتعويض عن حوادث الشغل والأمراض المهنية، والقواعد المتعلقة بمختلف العطل المؤدى عنها الأجر، ومختلف الأحكام التي ترمي إلى حماية الأجر.
ولأجل ما سبق، فضل البعض الوقوف عند مصطلح "القانون الاجتماعي"، وهو المصطلح الذي تكرسه الدراسات الحقوقية في كل من فرنسا والمغرب، على الرغم مما يتصف به بدوره من إبهام، لأن جميع القوانين، وكيفما كانت طبيعتها، هي اجتماعية في جوهرها، بالإضافة إلى أن هذا المصطلح لا يحدد بكل دقة موضوع هذا الفرع من فروع القانون.
بقي أن نشير، ونحن بصدد تعريف القانون الاجتماعي وتحديد مختلف المصطلحات التي مر بها، أن القانون الاجتماعي إنما هو مجموعة من القواعد القانونية، ومن ثم يجب عدم الخلط بينه وبين الدراسات العلمية المختلفة التي تعالج مواضيع تتصل بالعمل في نواحيه المتعددة، ومن ذلك الاقتصاد السياسي، وعلم النفس الصناعي، وعلم السكان، والإحصاء، وجغرافية العمل. فقانون العمل لا يعالج إلا ناحية واحدة، هي الناحية القانونية، سواء من حيث المضمون (الأحكام الموضوعية للقانون الاجتماعي)، أو من حيث الشكل (الأحكام المسطرية للقانون الاجتماعي).

