نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي، الجزء الأول، مصادر الالتزامات - للدكتور مأمون الكزبري -
أولا: مقتطفات من الكتاب:
1 - تعريف الالتزام : (آ) درج الفقهاء على تعريف الالتزام بأنه " رابطة قانونية بين شخصين أحدهما دائن والآخر مدين ، يترتب بمقتضاها على الطرف المدين تجاه الطرف الدائن ، نقل حق عيني، أو القيام بعمل، أو الامتناع عن عمل . .
فقد يكون محل الالتزام نقل حق عيني كالتزام بائع منقول أو عقار بنقل ملكية المبيع إلى المشتري " .
وقد يكون محل الالتزام القيام بعمل كالتزام مؤجر بتسليم المأجور إلى المستأجر ، أو التزام مهندس معماري بتنظيم مخطط بناء عهد إليه بتنظيمه ، أو التزام مستقرض برد مبلغ القرض إلى المقرض وقد يكون محل الالتزام الامتناع عن عمل كالتزام بائع مؤسسة تجارية بعدم فتح مؤسسة مشابهة تنافس المؤسسة المبيعة ، أو التزام ممثل بالامتناع عن التمثيل لدى شركة غير الشركة التي تعاقد معها ، أو التزام الوديع بعدم استعمال الوديعة لأغراضه الخاصة .
وهكذا فمحل الالتزام إما أن يكون إيجابياً وإما أن يكون سلبياً : فهو إيجابي إذا انصب على نقل حق عيني أو على القيام بعمل ، وهو سلبي إذا هدف الامتناع عن عمل .
2 - (ب) ويرى أكثر الفقهاء أن الالتزام مرادف للحق الشخصي : فالرابطة القانونية التي تربط المدين بالدائن تعتبر التزاماً إذا نظر إليها من ناحية المدين ، وهي تعتبر حقاً إذا نظر إليها من وجهة الدائن . وعليه يمكننا تعريف الحق الشخصي بأنه ، رابطة بين شخصين أحدهما دائن والآخر مدين ، يحق بمقتضاها للطرف الدائن مطالبة الطرف المدين بنقل حق عيني أو بالقيام بعمل أو بالامتناع عن عمل ....
وتمشياً مع هذا النهج عمدت بعض التشريعات المدنية الحديثة كالقانون المصري والقانون السوري إلى بحث نظرية الالتزامات في قسم جعلت عنوانه : الالتزامات أو الحقوق الشخصية ، دلالة على الترادف ووحدة المفهوم بين الالتزام من جهة وبين الحق الشخصي من جهة ثانية.
3 - (ج ) ولا يعني تعريفنا للالتزام بأنه رابطة قانونية بين طرف دائن وطرف مدين ، أن الالتزام يتطلب بالضرورة وجود دائن ومدين - فالالتزام يمكن تصوره دون قيام طرف دائن عند نشوئه ، كما في الوعد بجائزة الموجه للجمهور أو في الاشتراط المصلحة الغير عندما يكون هذا الغير شخصاً أو جهة لم يعينا وقت الاشتراط أو يكون شخصاً مستقبلاً أو جهة مستقبلة . ولكن مثل هذا الالتزام ، المترتب على المدين دون وجود طرف دائن ، لا ينتج أثره الفعلي ولا تظهر ثمرته العملية إلا إذا برز الطرف الدائن إلى الوجود ، وقامت إذن الرابطة القانونية بين هذا الطرف الدائن وبين الطرف الملتزم .
وإذا كان بعض الفقهاء قد رأوا تعريف الالتزام بأنه وحالة قانونية يكلف بمقتضاها شخص معين بنقل حق عيني أو بالقيام بعمل أو بالامتناع عن عمل » ، للدلالة على إمكانية قيام الالتزام دون وجود الطرف الدائن ، فإننا تفضل ابراز الناحية الشخصية في تعريف الالتزام والتركيز على وجوب قيام الرابطة القانونية بين الطرف الملتزم وبين الطرف الدائن إذ لا ثمرة تجنى ولا فائدة ترجى من التزام لا يوجد شخص دائن يحق له المطالبة بتنفيذه .
ومن الملاحظ أن المشرع اللبناني الذي اختار أن يستهل قانون الموجبات والعقود بتعريف الالتزام ( أو الموجب ) قد جنح إلى التأكيد صراحة على قيام الرابطة القانونية بين الطرف الدائن والطرف المدين فصرح في المادة الأولى أن الموجب هو رابطة قانونية تجعل لشخص أو لعدة أشخاص حقيقيين أو معنويين صفة المديون تجاه شخص أو عدة أشخاص يوصفون بالدائنين . .
4 - التمييز بين الالتزام أو الحق الشخصي وبين الحق العيني :
(أ) يجب التمييز بين الالتزام أو الحق الشخصي من جهة ، وبين الحق العيني من جهة ثانية .
فالالتزام أو الحق الشخصي - كما نعلم - هو رابطة قانونية بين شخصين أحدهما دائن والآخر مدين يترتب بمقتضاها على الطرف المدين تجاه الطرف الدائن نقل حق عيني أو القيام بعمل أو الامتناع عن عمل .
أما الحق العيني فهو سلطة يمارسها الشخص على شيء معين تمكنه من الحصول على المنفعة المرجوة من هذا الشيء بصورة مباشرة ودون وساطة أحد . فحق الملكية على دار مثلا يسمحوالتصرف فيها ، وكل ذلك دون توقف على أحد أو تدخل من أي كان . للمالك استعمال هذه الدار واستغلالها والتصرف فيها، وكل ذلك دون توقف على أحد أو تدخل من أي كان.
5 - (ب) وإذا ما قارنا الالتزام أو الحق الشخصي بالحق العيني وجدنا أنهما يختلفان عن بعضهما سواء من حيث التكوين أم من حيث الخصائص .
فمن حيث التكوين لا بد في الالتزام أو الحق الشخصي من توافر ثلاثة عناصر : طرف صاحب حق وهو الدائن ، وطرف ملتزم وهو المدين ، وعنصر ثالث هو الشيء أو العمل محل الالتزام أو الحق ، أما الحق العيني فلا يتطلب قيامه إلا وجود عنصرين اثنين : طرف صاحب حق وشيء محل الحق.
ومن حيث الخصائص يتميز الالتزام أو الحق الشخصي بأنه نسي بمعنى أنه لا يجوز للدائن ، صاحب الحق ، الاحتجاج بحقه إلا في مواجهة من التزم إزاءه بأداء هذا الحق . فإذا ما أقرض مثلاً زيد مبلغاً من النقود إلى عمرو فان زيداً لا يستطيع استرداد مبلغ القرض إلا من المدين عمرو ، وليس بميسوره تحصيله من غيره . أما الحق العيني ، فهو حق مطلق يحول صاحبه الاحتجاج به تجاه أي كان، فإذا ما كنت أملك داراً مثلاً ، فلي التمسك بحق ملكيتي في مواجهة الكافة ، وإذا حاول شخص ما معارضي في استعمال هذه الدار أو استغلالها أو التصرف فيها ، ساغ لي منعه من هذه المعارضة.
ويترتب على كون الحق العيني مطلقاً ميزتان تقليديتان لا أثر لهما في حقل الالتزام أو الحق الشخصي : ميزة التتبع وميزة الأفضلية.
فميزة التتبع تحول صاحب الحق العيني تتبع الشيء ، محل الحق ، في يد أي شخص تنتقل إليه حيازة هذا الشيء، فإذا خرج مثلاً الملك من يد صاحبه دون إرادته وانتقل إلى يد غيره ، جاز للمالك ، مهما تعاقبت الأيدي ، أن يطالب مبدئياً باسترداد ملكه من يد الحائز الأخير.
وميزة الأفضلية تسمح لصاحب الحق العيني أن يقدم في استيفاء حقه على من سواه ، كما في الرهن مثلاً حيث يفضل الدائن المرتهن على الدائنين العاديين الذين ليس لهم استيفاء ديونهم إلا بعد أن يكون الدائن المرتهن قد استوفى تمام ما هو مترتب له في ذمة مدينه ، وكما في حق الملكية الواقع على شيء سلم إلى آخر على سبيل الوديعة حيث لا يخشى المالك مزاحمة دائني الوديع على الوديعة لأن له الأفضلية في استرداد ملكه.
6- علم محاولة الاستغناء عن تقسيم الحقوق إلى عينية وشخصية :
حاول بعض الفقهاء الطعن في تقسيم الحقوق إلى شخصية وعينية وقالوا بعدم وجود مبرر للتمسك بمثل هذا التقسيم : ومن هؤلاء الفقهاء بلاتيول وريسير ودوموغ " . فهم يرون أن الحق لا يمكن أن يكون رابطة بين الشخص وبين الشيء وأن الحق العيني لا يختلف في هذا المضمار عن الحق الشخصي : ففي هذا كما في ذالك يوجد طرف صاحب حق ، وطرف ملزم بالحق ، وشيء محل هذا الحق، فهكذا مثلاً ، إذا ما كنت أملك عقاراً ، كان الناس كافة ملزمين بالاعتراف لي بحق ملكيتي على هذا العقار ، وليس لأحد منهم أن يقوم بأي عمل من شأنه حرماني من هذا الحق أو التعرض له . فالحق العيني يتخذ إذن صفة الزامية ، قائمة بين الشخص صاحب الحق وبين سائر الناس الذين يرتبطون إزاءه بالتزام سلبي محله عدم القيام بأي عمل يلحق الضرر بصاحب الحق . وبذلك تقوم الحقوق العينية على الصلات بين الأشخاص كالحقوق الشخصية، مع فارق وحيد هو أن نطاق الالتزام أوسع في الحقوق العينية منه في الحقوق الشخصية ، إذ هو يشمل الناس أجمعين في الحقوق العينية بينما هو لا يشمل إلا شخصاً واحداً أو أشخاص معينين محدودين في الحقوق الشخصية ... وبدهي أن اتساع نطاق الالتزام لا يغير من طبيعته ولا ينال من كيانه فهو التزام في كل حال. ..."
ثانيا: تحميل الكتاب
بعد هذا التقديم يمكن الإطلاع على كتاب نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي، الجزء الأول، مصادر الالتزامات للدكتور مأمون الكزبري، من خلال تحميله بصيغة PDF، وذلك بالضغط على الزر أسفله.
- الجزء الثاني هنا
