الشرح العلمي لقانون المسطرة الجنائية للدكتور عبد الواحد العلمي - الجزء الثاني -
أولا: مقتطفات ممن الكتاب
"... يمكن القول بأنه - أي التحقيق الإعدادي - مرحلة من مراحل القضية الجنائية تسبق عملية المحاكمة، والهدف من اللجوء إليه، في الحدود التي يسمح بها القانون، والتي تتسع أو تضيق بحسب الاتجاهات القانونية المختلفة، هو تمحيص الأدلة من قبل جهات التحقيق المتوفرة في التهمة والتي تكون الضابطة القضائية قد مهدت سبل التوصل إليها من خلال عمليات البحث التمهيدي)، وتقديرها من أجل اتخاذ القرار في ضوء ذلك، إما بالمتابعة والأمر بإحالة القضية على المحكمة إن هي قدرت بأن هذه الأدلة كافية، وإما بعدم المتابعة - بأن لا وجه لإقامة الدعوى وإثارتها - إن وجدت جهة التحقيق بأن هذه الأدلة غير كافية.
مما سبق يظهر، إذن بأن هذه المرحلة التي توصف من قبل البعض بأنها «وسطى» وتتموقع بين البحث التمهيدي» و«المحاكمة النهائية»، هي مرحمرحلة قضائية بلا خلاف، لأن القائم بالتحقيق فيها والتحري عن الأدلة له صلاحية تقدير هذه الأخيرة ومدى كفايتها في إسناد التهمة بخرق القانون الجنائي إلى المحقق معه من عدمه - عكس مرحلة البحث التمهيدي التي لا تخول فيه هذه الصلاحية للباحث - ويكون له تبعا لما اقتنع به، إما تحريك الدعوى العمومية، أو إنهاؤها بتقرير عدم المتابعة عنها لتيقنه من عدم ثبوت الجدوى من إقامتها .....
ولا تخفى أهمية هذه المرحلة الدقيقة وفائدتها، إذ هي بالنسبة للجهاز القضائي معين لابد منه في غربلة وتصفية القضايا التي لا حاجة إلى إضاعة وقت قضاء الحكم وجهده فيها، وبذلك فلا تصل إليه منها إلا تلك التي تستاهل ذلك بما ثبت للمحقق بأنه في شبه المؤكد على الإدانة، وبالنسبة للمتهم . وهو البري، حسب الأصل كما تقول به المادة 4 من قي م م ج -الذي لا تتوافر أدلة قاطعة وكافية عن إدانته يجنب مشقة سوقه إلى ساحة المحاكمة العلنية، وما يرتبه ذلك من تشويش كبير ومؤثر على سمعته وتدمير النفسيته، وآلام لمحبيه من أهله وأصدقائه .....
ودون الدخول أكثر في تفاصيل التحقيق الإعدادي في هذه التوطئة فإننا نرى بحثه من خلال التعرف على المبادئ التي تحكمه بصفة عامة المطلب الأول) وبعد ذلك التعرض لإجراءاته (المطلب الثاني)، ثم إلى الأوامر التي يتخذها المحقق متصرفا بذلك في التحقيق الذي التمس منه إجراؤه المطلب الثالث)، وبعد ذلك نبحث في مراقبة التحقيق الإعدادي المطلب الرابع)، وأخيرا، وبسبب إبقاء القانون المغربي على مؤسسة التحقيق التكميلي ) في القانون الحالي المتعلق بالمسطرة الجنائية الذي سمح بسلوكه من قبل هيآت الحكم عن طريق انتداب أحد أعضائها لذلك، والذي يخضع فيه - هذا العضو المحقق - للمقتضيات الواردة في القسم الثالث من الكتاب الأول المتعلقة بالتحقيق الإعدادي ترى إتماما للفائدة تخصيص دراسة لهذه المؤسسة (المطلب الخامس).
بناء على ما سبق، فإن خطة بحث التحقيق الإعدادي التي ستتبعها ستتكون في خطوطها العريضة من مطالب خمسة كما يأتي :
المطلب الأول : المبادئ الأساسية للتحقيق الإعدادي.
المطلب الثاني : إجراءات التحقيق الإعدادي.
المطلب الثالث : التصرف في التحقيق الإعدادي.
المطلب الرابع : مراقبة التحقيق الإعدادي.
المطلب الخامس : التحقيق التكميلي.
عالج المشرع في القانون الحالي للمسطرة الجنائية مؤسسة التحقيق الإعدادي في قسمين وهما الثالث من الكتاب الأول ( من المادة 83 حتى 230 في م م ج) الذي جعله في خمسة عشر بابا، تناول فيها الإجراءات التي خول القاضي التحقيق إتخاذها والأوامر التي مكنه من إصدارها من أجل تقريب الوصول إلى الحقيقة، والضمانات التي عليه واجب احترامها ومراعاتها عند إنجازه لهذا التحقيق من بدايته لنهايته، أما القسم الرابع من ذات الكتاب، فقد خصه للغرفة الجنحية بمحكمة الإستئناف التي كلفها بالسهر والإشراف على إنجاز هذا التحقيق، والتدقيق في مدى سلامته ومطابقته للقانون، وذلك في بابين (من المادة 231 حتى المادة 250 منها).
إعتمادا على النصوص السابقة، سأتولى في هذا المطلب المخصص لبحث المبادئ العامة التي تحكم التحقيق الإعدادي بصفة عامة، معالجة خصائص التحقيق الإعدادي (المبحث الأول) ثم نطاقه، أو مجاله (المبحث الثاني)، وأخيرا التعرض للسلطة التي تعود لها صلاحية إنجازه (المبحث الثالث).
التحقيق الإعدادي عبارة عن جملة من التحريات تقوم بها الجهة القضائية التي يرجع لها حق إجرائه، وتتمثل عندنا في قاضي التحقيق، الذي راقب أعماله الغرفة الجنحية لدى محكمة الاستئناف والغاية منه كما السلقت هي محاولة الوصول إلى الحقيقة التي سيترتب عنها، إما تأكيد استاد التهمة لشخص معين فيحال على المحكمة المختصة، وأما تفيها عنه فلا يتابع أمام قضاء الحكم، ويتم كل ما سبق من خلال تقدير قيمة الحجج . التي يكون وقع التوصل إليها غالبا عن طريق الإستفادة من البحث التمهيدي التي تكون النيابة العامة قد اعتمدتها عندما حركت الدعوى العمومية بالتماسها إجراء التحقيق من القاضي المختص، بصدد وقائع معينة تعتبرها ذات طبيعة إجرامية.
في هذا يخالف التحقيق الإعدادي البحث التمهيدي، الذي تنجزه الشرطة القضائية، بسبب أن الجهة التي تتكلف بإنجازه - مبدئيا - هي قاضي التحقيق الذي يستقل عن النيابة العامة ) وعن المحكمة ، وعن الخصوم مما يفرض عليه الحياد التام في إنجاز إجراءات البحث عن الأولة واتخاذ القرار الذي ينتهي به التحقيق إن لمصلحة المتهم وإن ضده، ويعون أن تحامل عليه أو ترضية للخصم الرئيسي - أو أية جهة كانت كانت - في الدعوى العمومية، الذي هو النيابة العامة.
هذا والطبيعة القضائية للتحقيق الإعدادي تجعل القائم به (وهو قاضي التحقيق) لا يخضع من حيث مراقبته عن الأوامر التي يصدرها الغير جهان القضاء التي يكون القانون أناط بها إعمال هذه المراقبة، والتي هي عندنا الغرفة الجنحية بمحكمة الإستئناف التي ورثت ذلك عن غرفة الإنهام الملغاة) حيث يكون - مبدئيا - للخصوم، أو الأطراف (من قيابة عامة والمتهم والطرف المدني) إستئناف أوامر قاضي التحقيق أمامها كلما وقع إخلال بالإجراءات المنصوص عليها في القانون بقصد الرجوع عنها (المواد 222 و 223 و 224 و 225 و 226 و 227 ق م م ج)، بل إن القاضي التحقيق نفسه، عندما يلاحظ بطلان إجراء من إجراءات التحقيق أن يرقعه للغرفة الجنحية من أجل تقرير بطلانه (المادة 211 ق م م (ج) وكل ما سبق، إن هو دل على شيء، فإنما على تأكيد أن هذه المرحلة من مراحل القضية الجنائية تحكمها إجراءات دقيقة واجبة المراعاة من الجهة المختصة بإنجازها، وتشكل وبدون شك، ضمانات مهمة وقوية - خلافا لمرحلة البحث التمهيدي - للمتهم الذي يجوز له التظلم أمام القضاء المختص بذلك، عند إنبان أي خرق لإجراءات التحقيق الإعدادي باعتباره - إن هو أصر على ذلك - مساسا بحقوقه وهو ما لا يجوز.
تبدو مظاهر (سمات) تغليب القانون المغربي للنظام التفتيشي كموجه من الموجهات السائدة في فقه المسطرة الجنائية) على إجراءات التحقيق الإعدادي في سمتين :
الأولى : خضوع التحقيق الإعدادي للسرية: ومفادها إمتناع إطلاع عموم الناس (أيا كان من الجمهور من غير الخصوم) على إجراءاته، أو على المحاضر المعدة بمناسبة إنجازه أو نشر أي شيء من ذلك في وسائل الإعلام المختلفة وإيصالها إلى الغير، ويبقى هذا الحظر ملازما لعملية التحقيق الإعدادي إلى أن يحال ملف القضية على المحكمة التي تنظرها بصورة علنية، حيث يرتفع حينئذ مبدأ السرية، ما لم تر المحكمة نفسها الإبقاء عليه، فيتعين حينئذ الالتزام بذلك والاستمرار في المحاكمة بصورة سرية.
والعلة لا تخفى من تكريس هذه السمة (الخاصية) على التحقيق الإعدادي، إذ أنها تصون - وهذا هو المهم - سمعة المحقق معه، وعدم تشويهها قبل قول المحكمة كلمة الفصل في القضية، خصوصا، وهو يستفيد من قرينة البراءة التي هي الأصل المادتان 1 من قي م م ج و 119 من الدستور)، إذ لا يخفى على أحد أن تناول الصحافة لقضية ماتزال في طور التحقيق تؤثر تأثيرا بالغا على سمعة المتابع بل وعلى المحقق نفسه الذى قد يجد نفسه واقعا تحت تأثير الخرج واكراهات الرأي العام، مما قد يجتمع به وهو بشر - إلى الزيغ عن سكة الحياد الواجبة فيه كحكم ينبغى أن يزن الأدلة المقدمة إليه أو التي يكون قد توصل إليها بنزاهة وتجرد، وبدون أى تأثير من أي كان عليه.
كما أن للسرية فى هذه المرحلة مزية كل المبادرة إلى تشويه وسائل الاثبات ممن له المصلحة والقدرة على ذلك، وتجنيب المجتمع - وهذا مهم - الإطلاع على بعض الأساليب الإجرامية التي قد تكون وحشية ولا يأتيها إلا البعض من المجرمين القساة، لما يشكله ذلك من وقع جد سيء على نفسية أفراده (المجتمع)، أو قيمهم الدينية أو الخلقية الاحظ الفقرة الأخيرة من الفصل 54 ق. ص في الهامش ما قبل السابق).
هذا ويجد مبدأ سرية إجراءات التحقيق الإعدادي أساسه القانوني في المادة 15 من ق م م ج التي قررت، من جهة، بأن تكون المسطرة التي تجري أثناء البحث أو التحقيق سرية، وبأن كل شخص يساهم في إجرائها ملزم بكتمان السر المهني تحت طائلة العقوبات التي رصدها القانون لذلك في القانون الجنائي ) من جهة أخرى، ومع ما سبق، فإنه ينبغي لفت النظر إلى أن مبدأ السرية الطاغي على عمليات التحقيق الإعدادي، والذي يجد له مؤيدا جنائيا في القانون المغربي بلقى، مع ذلك، بعضا من التلطيف، فهو من جهة، مفروض على الأشخاص الذين يقومون بإنجاز أو اتخاذ إجراءاته، كقاضي التحقيق، أو ضابط الشرطة القضائية الذي كلف بإنجاز بعض إجراءاته، أو الذين يشاركون فيه ككاتب الضيط الذي يدون المحاضر بما ثم من عملياته، أو المترجم أو الخبير المستعان بهما، دون غيرهم من الذين لا يقومون بإنجازه ولا يشاركون في اتخاذ إجراءته ... "
ثانيا: تحميل الكتاب
للإطلاع على الشرح العلمي لقانون المسطرة الجنائية للدكتور عبد الواحد العلمي الجزء الثاني، يمكن تحميله بالضغط على زر التحميل أسفله.
- الجزء الأول هنا
- الجزء الثالث هنا
